وهبة الزحيلي

9

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والحادث الثالث هو : فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما أي فانطلق الخضر وموسى يمشيان بعد المرتين الأوليين ، حتى إذا وصلا إلى قرية ، طلبا من أهلها إطعامهما وسد جوعتهما ، فرفضوا ذلك وأبوا أن يعطوهما ما هو حق واجب عليهم من الضيافة . وهذا إخلال بالمروءة ، واتصاف بالبخل والشح ، وتلك القرية هي أنطاكية . فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ أي وجد الخضر وموسى في تلك القرية حائطا آيلا إلى السقوط ، فردّه الخضر كما كان ، جاء في الحديث الصحيح : أنه مسحه بيده فإذا هو قد استقام . وهذا من كراماته . وإسناد الإرادة هنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة كما تقدم ، فإن الإرادة في المحدثات بمعنى الميل ، والانقضاض : هو السقوط ، والأول من أفعال العقلاء والثاني من خواص الجمادات ونحوها . فعند ذلك قال موسى للخضر : قالَ : لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً أي قال موسى للخضر : ليتك تطلب أجرة على إقامة الجدار وإصلاحه ، فإنه نظرا لأنهم لم يضيفونا ، كان ينبغي ألا تعمل لهم مجانا ، فأجابه الخضر : قالَ : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً أي قال الخضر لموسى عليهما السلام : هذا الإنكار أو الاعتراض المتكرر سبب الفراق بيننا أو المفرّق بيننا ، بحسب الشرط الذي قبلته على نفسك ، فقد قلت بعد قتل الغلام : إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها ، فَلا تُصاحِبْنِي . وسأخبرك بتفسير وبيان وجه الأفعال التي أنكرتها ، ولم تطق صبرا عليها ، وهي خرق السفينة ،